عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

252

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : قبل أن يحيط السّوء بحسناته فيحبطها . وقال الضّحّاك : قبل معاينة ملك الموت « 1 » . قوله : مِنْ قَرِيبٍ فيه وجهان : أحدهما : أن تكون « من » لابتداء الغاية ، أي : تبتدىء التّوبة من زمان قريب من زمان المعصية لئلّا يقع في الإصرار ، وهذا إنّما يتأتّى على قول الكوفيين ، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون « من » لابتداء الغاية في الزّمان ، ويتأوّلون ما جاء منه ، ويكون مفهوم الآية أنّه لو تاب من زمان بعيد لم يدخل « 2 » في من خصّ بكرامة قبول التّوبة على اللّه المذكورة في هذه الآية ، بل يكون داخلا فيمن « 3 » قال فيهم عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 102 ] . والثاني : أنّها للتّبعيض أي : بعض زمان قريب يعني « 4 » أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتّوبة فيه ، فهو تائب من قريب . وعلى الوجهين ف « من » متعلقة ب « يتوبون » ، و « قريب » صفة لزمان محذوف ، كما تقدم تقريره ، إلّا أنّ حذف هذا الموصوف وإقامة هذه الصفة مقامه ليس بقياس ، إذ لا ينقاس الحذف إلّا في صور « 5 » : منها أن تكون الصفة جرت مجرى الأسماء الجوامد ، كالأبطح والأبرق ، أو كانت خاصة بجنس الموصوف ، نحو : مررت بكاتب ، أو تقدّم ذكر موصوفها ، نحو : اسقني ماء ولو باردا ، وما نحن فيه ليس شيئا من ذلك . وفي قوله : ثُمَّ يَتُوبُونَ إعلام بسعة عفوه ، حيث أتى بحرف التّراخي والفاء في قوله : فَأُولئِكَ مؤذنة بتسبّب قبول اللّه توبتهم إذا تابوا من قريب ، وضمّن يَتُوبُونَ معنى يعطف فلذلك [ عدّى ] « 6 » ب « على » . وأما قوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ فراعى المضاف المحذوف ، إذ التّقدير : إنّما قبول التّوبة على اللّه ، كذا قال الشّيخ « 7 » وفيه نظر . فصل [ في معنى قوله « فأولئك يتوب اللّه عليهم » ] فصل معنى قوله فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني أنّ العبد الّذي هذا شأنه إذا أتى بالتّوبة قبلها منه ، فالمراد بالأوّل التّوفيق إلى التوبة ، وبالثّاني قبول التّوبة .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 94 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 232 ) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي في « شعب الإيمان » . ( 2 ) في أ : يحصل . ( 3 ) في أ : فيما . ( 4 ) في أ : أعني . ( 5 ) ينظر : الكتاب 1 / 116 . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) ينظر : البحر 1 / 199 .